
كان عليه الصلاة والسلام ذا حنكة وبعد نظر في اختيار الرجال لأداء المهمات التي يوكلهم بالقيام بها، فكان يختار الرجل حسب كفاءته لأداء المهمة، فلا ينظر لقرابته منه، ولا لفقره ولا لغناه، ولا اعتبار عنده للواسطة أو المحسوبية أو مكانته في المجتمع. فقد كان اختيار النبي عليه الصلاة والسلام لمصعب بن عمير للذهاب إلى المدينة يدل دلالة واضحة على ما يتحلى به مصعب من صفات الخير حتى اختاره الرسول - صلى الله عليه وسلم - دون سواه.
فمصعب هو نموذج واقعي لصدق الإيمان، والثبات والطمأنينة في الحق، والتمسك بأمر الله والوعي عليه، والصبر ومقاومة الضغوط.
ومصعب نموذج عملي للتضحية بالدنيا، وترك نعيم العيش ورغده في سبيل الله تعالى، فإنه كان أشرف غلام بمكة بين أبويه، فلما أصابه ما أصابه لم يقوَ على ذلك، ولقد كان جلده يتطاير تطاير جلد الحية.
ويحدثنا السهيلي عن مصعب فيقول: «فلما أسلم أصابه من الشدة ما غير لونه وأذهب لحمه ونهكت جسمه، حتى كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر إليه وعليه فروة قد رقعها فيبكي لما كان يعرف من نعمته».
كما أن أهله لما علموا بإسلامه حبسوه وصبوا عليه العذاب وقيدوه في الأصفاد بعد أن كان حراً سيداً، حتى هرب منهم وهاجر إلى الحبشة.
فمصعب بن عمير هو نموذج عملي للتضحية، والأنصار بحاجة إلى أن يروا نموذجاً عملياً للتضحية في سبيل الله، فيتأثرون بهذا النموذج من جهة، ومن جهة أخرى يكونون على بصيرة فيما هم سيقدمون عليه في نصرة هذا الدين،
وقد وجدنا أثر ذلك في الأنصار، فعندما كانت بيعة العقبة الثانية، قال الأنصار بعضهم لبعض: هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلاً أسلمتموه، فمن الآن فهو والله إن فعلتم خزي الدينا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدينا والآخرة.
فقالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟
قال: الجنة، قالوا: ابسط يدك فبسط يده فبايعوه.
كما كان مصعب يتحلى بصفة الهدوء والسكينة والحلم، وقد ظهر منه ذلك عندما ناقش أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ، رضي الله عنهما، فرغم أن كليهما كان يحمل حربته، ورغم أنهما ركزاها أمام مصعب، ومع كل هذا بقي مصعب محافظاً على هدوئه فلم يستفزه كل هذا الوضع، بل أخذ يشرح لهما الإسلام بوقار وهدوء وسكينة حتى أسلما،
كما كان مصعب شابا من جيل الأنصار، والأنصار كلهم شباب، فهؤلاء لو تم ارسال رجل كبير السن لربما وافقوه خجلاً، بينما النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يأتوه عن قناعة، والشاب لا ينقاد لشاب مثله إلا عن قناعة.
كما كان مصعب بن عمير يتصف بالحيوية والنشاط، وقد وصف الشيخ تقي الدين النبهاني نشاط مصعب في كتاب الدولة الإسلامية فقال:
كان - رضي الله عنه - يطرق الأبواب على النّاس سعياً للاتصال بهم ليبلغهم دعوة الله، وكان يجوب الحقول متصلاً بالمزارعين في أعمالهم يدعوهم للإسلام، وكان يواجه الأسياد يدعوهم لدين الله، وكان يقوم بحركات مقصودة كما فعل مع أسعد بن زرارة في اتخاذ الوسائل للوصول إلى النّاس حتى يقوم بإسماعهم صوت الحق، حتى استطاع في سنة واحدة أن يقلب الأفكار في المدينة من وثنية خرقة، ومن مشاعر خاطئة (إلى توحيد وإيمان، وإلى مشاعر إسلامية) تسخط على الشرك وتنفر من تطفيف الكيل والميزان. وهكذا كان نشاط مصعب، وكان نشاط الذين أسلموا معه أن تحولت المدينة في سنة واحدة من حال الشرك إلى حال الإسلام. .. انتهى.
فلذلك كان اختيار النبي عليه الصلاة والسلام لمصعب دقيقاً يدل على خبرته بالرجال، وأنه كان هو الأنسب للقيام بتلك المهمة الصعبة في المدينة المنورة لتهيئة أجواء الدعوة وتهيئة المدينة لتكون مركز الدولة الإسلامية الأولى.
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
محمود الشامي
