
يكاد يكون فقه التغيير منصباً فقط على ما يراد تغييره، وهنا موقع التضليل أو الخطأ، فتغيير الفرد هو غير تغيير المجتمع، والخطوة الأولى في فقه أي مسألة هو إدراك وفهم واقع المسألة، وكما تقول القاعدة الشرعية: الحكم على شيء هو فرع عن تصوره.
فما يصلح لتغيير الأفراد هو غير ما يصلح لتغيير المجتمع، فعندما نريد تغيير السلوك الإنساني علينا فهم دوافع هذا السلوك ومحركاته وعلينا إدراك ما يتحكم به.
وعندما نريد تغيير المجتمع علينا أن نفهم العناصر المشكلة للمجتمع ومكوناته، وهنا المشكلة الرئيسية التي يقع فيها الكثير من المصلحين أو الدعاة الذين ينبرون إلى محاولة إصلاح المجتمع، لأنهم يرونه عبارة عن مجموعة أفراد و بالتالي إصلاح مجموعة الأفراد يؤدي إلى إصلاح المجتمع، والواقع مخالف لهذا الوصف، لأن المجتمع هو ليس مجموعة أفراد فقط، وإنما هو مجموعة أفراد تربط بينهم علاقات دائمة تربطهم مشاعر مشتركة ومصالح مشتركة يستظلون بظل منظومة تنفيذية تقوم على إدارة هذه العلاقات وفق الأفكار السائدة في هذا المجتمع.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى نسب هذا التغيير لمن؟
ففي حالات ينسب هذا التغيير للإنسان نفسه أو لجماعة أو قوم، وتارة ينسب هذا التغيير لله، فمن التغيير ما هو مطالب به الإنسان كفرد، ومن التغيير ما هو مطالبة به الجماعة، ومن التغيير ما هو توفيق ورضوان من الله، ومنه ما هو عقاب واستبدال من عنده.
أما نسبة التغيير إلى الفرد، يقول تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا).
وهنا ينسب الله عز وجل تغيير النفس وتقويمها للإنسان، فإن هو زكاها ارتقى بها، وهنا التغيير المطالب به الفرد.
وفي قوله تعالى إشارة لتوفيق الله لمن أراد الهداية: (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ).
وهنا الأمر لجماعة المسلمين أن تقوم بواجب الدعوة، قال تعالى: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
وفي قوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) إشارة لتوفيق الله لمن سعى للهداية سعيها.
وفي قوله: (ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
تهديد بسلب النعمة من الجماعة والقوم إن هم غيروا في أحوالهم ومجتمعهم ما يرضي الله إلى ما يسخطه..
هي خطوط عريضة ومسارات رسمناها وتساؤلات شاركناها كي نصعد معا في سلم التغيير.
وفي الختام، نذكر أننا مطالبون كأفراد وجماعات بواجب التغيير إلى ما يرضي الله في أنفسنا ومجتمعنا وإلى إقامة أحكام الشريعة في أنفسنا وفي مجتمعنا وفي أنظمتنا كلها؛ سياسية، واقتصادية، وقضائية، واجتماعية.
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
جهاد كيال
