
يُتداول مصطلح "السياسة الشرعية" في وقتنا المعاصر بشكلٍ واسعٍ، وخصوصًا بين الحركات الإسلامية، وكذلك يدور المصطلح على لسان المتنازلين عن الأحكام الشرعية المتعلقة بالحكم تحت مسمَّى: "السياسة الشرعية"، وسأحاول في هذا المقال أنْ أُبيِّن واقع هذا المصطلح.
قبل أن نعرض واقع المصطلح فإنَّ المصطلح مركبٌ من لفظين: "السياسة"، و "الشرعية".
أمَّا لفظ السياسة فإنَّه في اللغة: السوس: الرياسة، يقال: ساسوهم سوسًا، وإذا رأسوه، قيل: سوسوه وأساسوه، وساس الأمر سياسةً: قام به، ورجلٌ ساس مِن قوم ساسة وسواس وسوسه القوم: جعلوه يسوسهم، ويُقال: سوس فلانٌ أمر بني فلان، أي كُلِّف سياستهم، سست الرعية سياسة، وسوس الرجل أمور الناس، فالظاهر من كتب اللغة أنَّه يدور حول القيام بشؤون الناس.
والسياسة في الاصطلاح لا تخرج عن المعنى اللغوي العام، فقيل في تعريفها: رعاية شؤون الناس داخليًا وخارجيًا، وعرفت في بعض كتب المفاهيم السياسية في التوصيف الغربي: هي مجموعة القرارات المُترابطة المتفق عليها بقصد التوصُّل إلى نتائج وأهداف محددة على المستوى العام أو المستوى الشخصي.
ممَّا سبق فالسياسة: هي رعاية شؤون الناس داخليًا وخارجيًا، وهذه الرعاية من شأنها أن تحقق مصالح الناس.
وأمَّا لفظ "الشرعية" فالمقصود منه أنْ تستند الأعمال إلى الشريعة الإسلامية في كلِّ حكمٍ من الأحكام، فلفظ "الشرعي": أي خطاب الله تعالى بما يتوقّف على الشّرع ولا يدرك لولا خطاب الشارع كوجوب الصلاة، فالشريعة في اللغة: هي مِن شرع الوارد يشرع شرعًا وشروعًا: تناول الماء بفيه، وشرعت الدواب في الماء تشرع شرعًا وشروعًا أي دخلت، ومشرعة الماء وهي مورد الشاربة التي يشرعها الناس فيشربون منها ويستقون، وربما شرعوها دوابهم حتى تشرعها وتشرب منها، والعرب لا تسميها شريعة حتى يكون الماء عِدًا لا انقطاع له، ويكون ظاهرًا معينًا لا يسقى بالرشاء والشارع: الطريق الأعظم، وشرع المنزل، إذا كان بابه على طريقٍ نافذ، وأمَّا في الاصطلاح فقيل: ما شرع الله تعالى لعباده مِن الأحكام التي جاء بها نبيٌّ مِن الأنبياء، سواء كانت متعلِّقةً بكيفية عمل، وتسمّى فرعية وعملية، ودوّن لها علم الفقه، أو بكيفية الاعتقاد وتسمَّى أصلية واعتقادية، ودوّن لها علم التوحيد، وقيل: الشريعة: هي الائتمار بالتزام العبودية، وقيل: الشريعة: هي الطريق في الدين.
فمِن خلال ما سبق فإنَّ الشريعة هي الطريق التي جاء بها أحد الأنبياء ليسير الناس عليها، سواء أكان في وقت حياته أم بعد وفاته.
ونأتي للفظ المركب "السياسة الشرعيَّة": من خلال البحث في كتب المتقدمين -في القرون الأولى- فإنَّ مصطلح السياسة الشرعية غير موجود، والناظر في كتب الفقه يجد أنَّ العلماء قد تناولوا الأحكام الفقهية ككل، سواء المتعلقة بالسلطان أو غيره في كتب الفقه، ومن ثمَّ أفردت كتب في القرن الخامس الهجري تحدثت عن القضايا المتعلقة بالسلطان والحكم، مثل: الأحكام السلطانية للإمام الماوردي، والأحكام السلطانية لأبي يعلى، وغياث الأمم للجويني، وهذه الكتب تصنف تحت صنف كتب "السياسة الشرعية"، والناظر فيها يجد أنَّ أبحاث هذه الكتب تدور حول السلطان وأحكامه والولاة وغير ذلك من الأحكام التفصيلية المتعلقة بسياسة الناس من قبل الحاكم.
وقد استعمل الإمام الجويني مصطلحين: الإيالة الشرعية، ومصطلح السياسة الدينية، وبعض الفقهاء استعمل هذا المصطلح مرادفًا لمصطلح التعزير، قال ابن عابدين الحنفي: "والظاهر أن السياسة والتعزير مترادفان؛ ولذا عطفوا أحدهما على الآخر؛ لبيان التفسير"، وقد نقل ابن القيم كلامًا عن ابن عقيل الحنبلي في استعمال مصطلح السياسة الشرعية فقال: "جرى في جواز العمل في السلطنة بالسياسة الشرعية، أنه هو الحزم"، وقد كتب ابن تيمية كتابًا تحت اسم: السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، تحدَّث فيها عن الولايات وغير ذلك، قال في المقدمة: "فهذه رسالة مختصرةٌ فيها جوامع من السياسة الإلهية والآيات النبويَّة، لا يستغني عنها الراعي والرعية، اقتضاها من أوجب الله نصحه من ولاة الأمور"، وقد ورد مصطلح السياسة في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد قال في الرد والذم مَن يُعين اليهود والنصارى على إظهار شعائرهم في ديار المسلمين، فقال: "ولا يُشير على وليِّ أمر المسلمين بما فيه إظهار شعائرهم في بلاد الإسلام، أو تقوية أمرهم بوجهٍ من الوجوه إلا رجل منافق... أو رجل جاهل في غاية الجهـل، لا يعرف السياسة الشرعية الإلهية التي تنصر سلطان المسلمين على أعدائه"، فهذا نصُّ واضحٌ مخالفٌ لما انتشر بين الناس أنَّ السياسية الشرعية تعني التلون أو غير ذلك!
وكذلك ابن القيم صرَّح في استعمال مصطلح السياسة الشرعية وسمى كتابًا بعنوان: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، تناول فيه القضاء الإسلامي وطرق السياسة الشرعية التي يجب على الأمراء والحكام والقضاة أن يسلكوها ويقفوا عندها ولا يتجاوزها في كل زمان ومكان لتحقيق الصلاح للناس، وأفرد في كتابه إعلام الموقعين عنوانًا: العمل بالسياسة، فقال في بداية الفصل: "وجرت في ذلك مناظرة بين أبي الوفاء ابن عقيل وبين بعض الفقهاء، فقال ابن عقيل: العمل بالسياسة هو الحزم، ولا يخلو منه إمامٌ، وقال الآخر: لا سياسة إلا ما وافق الشرع، فقال ابن عقيل: السياسة ما كان مِن الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصَّلاح وأبعد عن الفساد، وإنْ لم يشرعه الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم ولا نزل به وحي؛ فإنْ أردت بقولك: لا سياسة إلا ما وافق الشرع؛ أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيحٌ"، وقال في ذات الفصل: "فكيف يظن أنَّ شريعته الكاملة التي ما طرق العالم شريعةً أكمل منها ناقصة تحتاج إلى سياسةٍ خارجةٍ عنها تكملها، أو إلى قياس أو حقيقة أو معقول خارج عنها؟ ومن ظنَّ ذلك فهو كمن ظنَّ أنَّ بالناس حاجة إلى رسولٍ آخر بعده".
وأكتفي بما سبق، فإنَّ القصد ليس نقل كلِّ كلام الفقهاء والعلماء، ولكن بيان واقع هذا المصطلح عن العلماء، فإنَّ المصطلح كما هو مبينٌ في الكتب يقوم على الشريعة الإسلامية، ولا يجوز أن يخالف القائم بأعمال السياسة الحكم الشرعي تحت أي حجَّةٍ أو مصلحةٍ عقلية، بل يقوم بسياسة الناس وفق الأحكام الشرعية المنثبقة من العقيدة ولا يخرج عنها، منضبطًا بها، ولذلك قال ابن القيم في فصل العمل بالسياسة: "هذا موضع مزلة أقدام، ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك في معترك صعبٍ، فرّط فيه طائفة فعطَّلوا الحدود، وضيَّعوا الحقوق، وجرّؤوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرةً لا تقوم بمصالح العباد، وسدُّوا على أنفسهم طرقًا صحيحة من الطرق التي يُعرف بها المحق من المبطل".
فليتق الله من جعل "السياسة الشرعية" بابًا لتضييع الشريعة، وتعطيل الحدود، وإبعاد الناس عن الانضباط بالأحكام الشرعية للقيام بشؤون الدنيا كما يريد رب الناس.
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
محمد السلوم
