
إن طريق حمل دعوة الله عز وجل وإقامة شرعه ليس طريقاً مفروشاً بالورود، بل هو تكليف ثقيل يحتاج إلى زاد من الصبر، ومُعِينٍ من الصحبة الصالحة، وتجردٍ تام لله رب العالمين. وفي السورة التي جعلها الله ملجأً من الفتن سورة الكهف، تتنزل آية عظيمة لتضع للمسلم ولمن يحمل هذه الدعوة المنهج والمعالم التي تجنبه الزلل والوقوع في فتنة الدنيا.
نقفُ مع كلمات الآية الكريمة: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28]:
{وَاصْبِرْ}:
افتُتحت الآية بالأمر الصريح بالصبر في بداية الكلام، لأن ما سيأتي بعدها تكليفٌ ثقيل ومسؤولية كبرى. فالشروع بكلمة "واصبر" هو إشارة إلهية إلى أن رأس مال هذا الطريق وثباته هو الصبر. يشير الإمام القرطبي إلى أن "الصبر هنا هو الحبس"، أي الإمساك عن الشهوات والثبات على الطاعة.
{نَفْسَكَ}:
إضافة "النفس" هنا تدل على أن المحلّ الحقيقي للصبر والجهاد هو النفس البشرية، التي هي بطبعها تجزع وتميل إلى الراحة والدعة و الهوى. فالأمر بـ "صبر النفس" يعني ترويضها وتأديبها وتطمينها، فلا تتركها تتفلت باتباع أهوائها أو الجزع من مشاق الطريق، بل تُقسر النفس وتُربى على ما يرضي الله عز وجل، وتُربط بثوابه العظيم لتطمئن وتهدأ وتستقر على السير في هذا الصراط المستقيم دون أن تتأثر بفتن الطريق.
{مَعَ الَّذِينَ}:
ربط الصبر بالمعيّة، فلم يقل "واصبر نفسك" وفقط، بل قال: "مع الذين". وفي هذا دلالة صريحة على أن حمل الدعوة و همّ إقامة الدين ثقلٌ لا يُحمل فردياً؛ وبحاجة لعمل جماعي، فالشيطان ينال من المنفرد، والبيئة الجماعية تحمي السالك من الانحراف.
وفي هذا المعنى يصور سيد قطب في "ظلال القرآن" هذه المعيّة الإيمانية بقوله: "إنها الصحبة المؤمنة التي ترتبط على هدف واحد، وتتوجه إلى وجه واحد... صحبة الفقراء الصابرين الذين لا يبتغون شرفاً في الأرض، ولا يطلبون زينة الحياة الدنيا، إنما يطلبون الله وحده، فيلتقون على بابه، ويكتفون بجواره."
{يَدْعُونَ رَبَّهُمْ}:
أي يعملون لإقامة شرعه وتحكيم كتابه، والدعاء هنا يجمع بين دعاء العبادة ودعاء المسألة؛ فهم في حالة نشاط مستمر وعمل دؤوب لإعلاء كلمة الله.
{بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ}:
أي في أول النهار وآخره، والمراد استغراق الأوقات والدوام عليها. فليس لديهم "وقت فراغ" يُخصص للدعوة حين يتوفر، بل حياتهم كلها تدور حول الرسالة التي يحملونها للبشرية، ومواظبون عليها ليل نهار.
{يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}:
هذا هو شرط القبول وجوهر المحرّك؛ فلا يريدون من حمل هذا العبء مكافأة في الدنيا، ولا منصباً، ولا جاهًا، ولا مالاً، ولا حمداً ولا ثناءً من الناس، بل محركهم الإخلاص التام لله عز وجل. قال العلامة السعدي: "فيه إخلاصهم في عباداتهم، وأنهم لا يريدون بها عرضاً من أعراض الدنيا، وإنما يبتغون بها رضا ربهم".
{وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ}:
أي لا تتجاوزهم ببصرك واهتمامك لتلتفت إلى غيرهم من أهل المظاهر الفارغة وجاه الدنيا. يلفت الشوكاني النظر إلى هذا المعنى بقوله: "أي لا تنصرف عنهم عيناك إلى غيرهم من الأغنياء والرؤساء ..
{تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}:
تنبيه وتحذير إلهي؛ فمن منا لا تميل نفسه لطيبات الدنيا وزينتها؟ ولكن الآية تذكّر بالنوايا، وتؤكد على إيثار الباقي على الفاني، وأن ما عند الله خير وأبقى.
{وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا}:
نهي مباشر عن النهج والتماشي مع أهل الغفلة؛ فالقلب الذي أُغفل عن ذكر الله فقدَ البوصلة، والتعامل معه أو الاقتداء برأيه في طريق الدعوة يؤدي إلى الانحراف والوهن.
{وَاتَّبَعَ هَوَاهُ}:
توضيح للسبب والعاقبة؛ فحين يغفل القلب عن الله، يحلّ "الهوى" محلّ الشرع والوحي، فيصبح الإنسان عبداً لرغباته ونوازعه النفسية بدلاً من أن يكون عبداً لله.
{وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}:
خاتمة الآية التي تبين المصير والنتيجة؛ وكلمة "فُرُطًا" تأتي بمعنى الضياع، والشتات، والإسراف، والندامة. أي أن من آثر الدنيا واتبع هواه وغفل عن ذكر ربه، تنفرط عليه أموره وتتشتت حياته وأعماله فلا يخرج منها بجدوى، وتضيع أوقاته بلا ثمرة إيمانية، ويكون أمره في الدنيا والآخرة خساراً وندماً. يذكر ابن كثير في معنى {فُرُطًا}: "أي أعماله وتصرفاته سفهٌ وتفريطٌ وضياع".
في هذه الآية العظيمة جملة من القواعد الإيمانية :
العمل الجماعي والرفقة الصالحة:
تؤكد الآية أن الثبات الفردي صعب في زمن الفتن، وأن حمل أمانة الدين يحتاج إلى البيئة المؤمنة والتكتل الصالح الذي يشد بعضه بعضاً.
التفرغ القلبي والهمّ الدائم:
العمل للدين ليس هامشاً ولا عمل جزئياً يمارَس في أوقات الفراغ، بل هو همٌّ يستغرق الغداة والعشي.
تزكية النفس وتأديبها:
طبيعة النفس تحتاج إلى الصبر والمجاهدة المستمرة لتسير فيما يرضي الله وتطمئن لوعوده وموعوده، بعيداً عن نزوات الهوى وعواجل الدنيا.
الإخلاص التجردي والحذر من شتات "الفُرُط":
الغاية المحددة بوضوح هي ابتغاء وجه الله تعالى. والآية تحذر حامل الرسالة والسائر في هذا الطريق من السقوط في الغفلة واتباع الهوى؛ لأن عاقبة ذلك شتاتُ الأمر وضياع الجهد والانفراط عن منهج الحق.
وفي الختام:
إن من يتأمل كتاب الله عز وجل ويقرأه ليعرف معنى العمل للدين وحقيقة الطريق، يجد فيه الآيات الكثيرة التي تثبته، وترشده إلى الصراط المستقيم، وتعين هِمّته على أداء هذه الأمانة العظيمة. فكتاب الله جل وعلا هو الدستور الهادي، وهو الناهض بالهمم، وهو الذي يملك وحدَه الطاقة الإيمانية التي تصنع الأمة من جديد، وتبث فيها الحياة من بعد موات، متى ما استمسكت بأوامره وصبرت على منهاجه ابتغاء وجهه الكريم.
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
عبد الرحمن عمر
