
لو تأملنا نص خطبة الوداع لعلمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين فيها الخطوط الرئيسية للسير في طريق هذا الدين، فقد حدد فيها كل الحقوق والواجبات، فكان هذا اليوم بمثابة مؤتمر جامع للمسلمين وغيرهم، الحاضرين والذين لم يحضروا، وقانون لمن سيأتي، إلى يوم القيامة، حدد فيها حرمة الربا وحرمة الزنى وحرمة الدماء والأموال، وبين حقوق المرأة وواجباتها، وحرم أكل الميراث، وفرض مبدأ المساواة، وأن التفاضل يكون بالتقوى فقط، وحدد فيها أن أي حكم غير حكم الله في هذه الأرض فهو ضلال وسيؤدي إلى شقاء البشرية وإحلال غضب الله.
وقال صلى الله عليه وسلم في آخرها: (تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد. ثلاث مرات).
لو تأملنا هذه الكلمات العظيمة لوجدنا أنها ترشدنا الى ما يعصمنا في هذه الدنيا من الضلال والتيه في مسالكها، فهذا نص صريح من مبلّغ رسالة الله أنه قد أدى المهمة وبلغ الدين وأن سعادة البشرية هي بتطبيق الإسلام باعتباره نظام حياة لا دين عبادات فقط، وأن الشقاء والضلال بتعطيل تطبيقه ولو في جزء بسيط أو في حكم واحد، وهذا الأمر ينطبق على الجميع، مسلمين وغيرهم، فالخطاب كان ينادي الجميع بقوله: أيها الناس، كل الناس. فعلى المسلمين أن يعوا موقعهم ودورهم ومسؤوليتهم، فهم الذين يحملون الاسلام عقيدةً ومبدأ ليسود هذا الدين كلّ الأرض، عقيدة راسخة بالقلوب ومبدأ ينتشر بإقامة دولة تتبني هذه العقيدة وتطبيق النظام الذي ينبثق منها، لا تخشى في الله لومة لائم.
خطبة أرسى فيها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قواعدَ الحكم وحذّر من تغيير حكم الله والتلاعب بأحكامه وليّ أعناق النصوص لتناسب أهواء الحكام.
إن نظام الله وحكمه ثابت وصالح لكل زمان ومكان، فمن علّق حباله بالله وخاف الله وحده وطبق نظامه فقد نجا من الضلال.
هذا خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، صاحب الرسالة، قد بين للناس وأشهد على ذلك ربَّ السماوات والأرض، فلنعمل لإقامة حكم الله في أرضه وتطبيق شرعه قبل مشهد سؤال عصيب يوم لا ينفع مال ولا بنون.
قال تعالى: (أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه)، والاستفهام هنا للإثبات والتقرير، ومعناه بلى إن الله كاف عبده ومن سار على دربه.
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
المحامي محمد شريف
