
استولى الحبشة على حكم اليمن سبعين سنة، ثم إن سيف بن ذي يزن الحميري استنقذه منهم وانتصر عليهم، لذلك ذاع صيته وارتفعت مكانته وزاره زعماء العرب مهنئين، ونسجت حوله القصص الشعبية. ورغم مكانة ومنزلة سيف بن ذي يزن هذا، ورغم عزته ومكانته، ومع هذا فإن المسلم حقا يعرف قدر نفسه، ويدرك أنه أفضل من كل ملك ليس بمسلم وأن المسلم أعلى كعباً من كل ملك كافر، ولذلك وجدنا أسامة بن زيد يقول إنه أفضل من سيف بن ذي يزن.
قال حكيم بن حزام وكانت عمته هي خديجة رضي الله عنها:
كان النبي صلى الله عليه وسلم أحب رجل من الناس إلي في الجاهلية، فلما جاء الإسلام لم أسلم، ولما جاء إلى المدينة شهد حكيم الموسم وهو كافر، فوجد حلة ذي يزن تباع في سوق عكاظ، فاشتراها ليهديها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك في فترة صلح الحديبية، فقدم بها عليه المدينة، فأراده على قبضها هدية فأبى وقال: إنا لا نقبل من المشركين شيئاً، ولكن إن شئت أخذتها منك بالثمن.
فأعطيته إياها حين أبى علي الهدية فلبسها، فرأيتها عليه على المنبر، فلم أر شيئاً أحسن منه فيها يومئذ، ثم أعطاها أسامة بن زيد، فرآها حكيم على أسامة فقال: يا أسامة أنت تلبس حلة ذي يزن؟
فقال أسامة بن زيد: نعم، والله لأنا خير من ذي يزن، ولأبي خير من أبيه.
قال حكيم: فانطلقت إلى مكة أعجبهم بقول أسامة. (انتهى).
فحكيم بن حزام صار يتعجب من كلام أسامة، كيف يكون أفضل من الملك سيف بن ذي يزن؟ وكيف يكون والد أسامة زيد خيراً وأفضل، وسبب تعجب حكيم بن حزام هو أنه هو الذي اشترى زيد بن حارثة من سوق حباشة وأهداه إلى عمته خديجة.
فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سألها زيداً، فوهبته له، فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فتأمل أسامة بن زيد وكيف أنه لما تربى على هذا الدين وفي مدرسة النبوة فهو يشعر طبيعيا أنه أفضل من ذاك الملك، بينما وبكل أسف تجد اليوم الكثير ممن يسمون أنفسهم مثقفين وعلماء يشعرون بالهزيمة النفسية أمام الأوربي والأمريكي، ويشعر أنه دونه في المنزلة والمكانة، ويشعر أنه أقل منه فهما ووعيا وإدراكا، ولعل من أهم أسباب هذه الهزيمة النفسية أمور ثلاثة:
الأول: التقدم التقني عند الغرب مقارنة بالتخلف في بلادنا.
الثاني: غياب كثير من المفاهيم الإسلامية بين الناس والتي من أهمها الشعور بعزة هذا الدين وبالعزة بالانتساب لهذا الدين.
الثالث: غياب دولة الإسلام التي يشعر فيها المسلم بعزته وكرامته ومنزلته.
فالمسلم في ظل الدول اليوم يشعر بأنه مهان ذليل، ويرى أيضاً تذلل الحكام أمام الغرب.
ففقد المسلم اليوم شعوره بالعزة والكرامة، فلذلك لا تجده يشعر بما كان يشعر به أسامة بن زيد من عزة وكرامة.
ومتى عادت للمسلمين دولتهم، فإنها ستغرس في نفوس المسلمين الشعور بالعزة والكرامة، فهم سيرون كيف تتعامل مع الدول الأخرى من منطلق العزة.
قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8].
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
محمود الشامي
