
ليست العبرة بالمسارعة وحدها، بل بوجهتها وغايتها.
لقد بيّن القرآن المجيد أن المسارعة ليست على وجه واحد؛ فمنها مسارعة في الخيرات، ومنها مسارعة في الإثم والعدوان، ولكلٍّ وجهته وغايتُه. ففريق طيّب يسارع بهمة عالية في الخير لنفسه ولمن حوله، وفريق خبيث يسارع بعزم وإصرار إلى المهالك، وإلى ما يضرّه ويضرّ غيره، ويُبعدهم عن سواء السبيل.
أما الصنف الطيّب، فهم المؤمنون المتقون الذين يبادرون إلى الطاعات بعزيمة دون تلكؤ، ويتنافسون في القربات، ويسعون في سياسة الناس، وتيسير شؤونهم، وحل مشكلاتهم، وإقامة العدل بينهم على هدي من الوحي؛ يبتغون بذلك رضوان الله، ويرجون مغفرته ورحمته، ويخافون عذابه. فهؤلاء لم تقف مسارعتهم عند صلاح أنفسهم، بل امتدّت إلى إصلاح ما حولهم، وتحقيق الخير للناس كافة. قال تعالى: ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 114].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: 90].
وأما الصنف الخبيث، فهم المنافقون ومرضى القلوب من المشككين والمرجفين والمثبطين، الذين يسارعون إلى موالاة أهل الباطل خوفًا وطمعًا، ويجعلون منافعهم فوق شرع الله؛ فيصدّون عن سبيل الله، ويحسبون أن في موالاة أهل القوة والنفوذ من الغرب الكافر ملجأً ونجاةً إذا دارت عليهم الدائرة.
وإنك لتراهم يلهثون خلف سراب العزّ عند أعداء الله ورسوله وعلى رأسهم اليهود، ويحسبون أن في التخلّي عن الحق سبيلًا إلى السلامة، وأن الارتماء في أحضان الأقوياء ضمانٌ للنجاة؛ غير أن موازين الناس لا تغيّر سنن الله، وحسابات المصالح لا تحجب عاقبة المواقف. ثم يقضي الله بأمره، فتنكشف حقيقة ما ظنوه عزًّا، ويحلّ الندم والحسرة حين يتبيّن لهم خطأ تقديرهم، ويرون ما يؤتيه الله لعباده المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
قال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: 52].
وليست العبرة بكثرة السالكين، ولا بسرعة الحركة، فقد يجتمع الناس على باطل، وتتعاظم قوتهم، وتتسارع خطواتهم، فلا يجعل ذلك باطلهم حقًّا، ولا كثرتهم دليلًا على صلاحهم. وفي المقابل، قد يقلّ أهل الحق، وتضعف إمكاناتهم، لكن الحق لا يفقد قيمته بقلّة أنصاره.
ومن هنا تتمايز الصفوف، ويظهر الفرق بين من يجعل غايته رضوان الله، فيضبط سعيه بأمره ونهيه، وبين من يجعل هواه حاكمًا على مواقفه، فيتبع ما تمليه عليه منافعه، ولو كان في ذلك انحرافٌ عن الحق.
وليس الميزان إذن ما يعجب الناس من كثرة أو قوة، وإنما ما وافق شرع الله فتزكو به النفوس وتصلح الأعمال.
قال الله سبحانه: ﴿وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 62].
وقال : ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ۚ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 100].
فهذا هو الميزان الذي ينبغي أن تُوزن به المواقف، وتُعرف به حقيقة المسارات، وتُميّز به الصفوف: لا كثرةٌ تخدع، ولا قوةٌ تُبهر، ولا منافع تُغري؛ وإنما حقٌّ يُتّبع، وباطلٌ يُجتنب، وغايةٌ يُبتغى بها وجه الله.
فشتّان بين من يسارع إلى الخير ليكون مع ورثة الأنبياء والصالحين، ومن يسارع إلى الإثم والعدوان فيكون من الخاسرين.
اللهم ألّف بين قلوب عبادك المؤمنين الطيبين، ولا تجعل للشياطين عليهم سبيلًا، ووفّقهم لإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، لإقامة الدين، ورفع الظلم والفساد؛ واجعل سعيهم ابتغاء مرضاتك، ففي ذلك وحده صلاح الأمة وعزّتها وكرامتها.
للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
رضوان الخولي
