
ما إن عقد مجلس الشعب السوري الجديد أولى جلساته حتى كثرت الآراء والمواقف بحسب نقطة انطلاق كل منها.
فليست المشكلة أن "التجربة الديمقراطية" وحرياتها جاءت ناقصة ومهلكة للشعوب، أو أن مبادئها لم تطبق كاملة، إنما المشكلة الأعمق هي أن ميزان الحكم ابتعد عن الميزان الذي حدده الله لعباده. فالأمة التي تعتقد الاسلام فكرة وطريقة لا تجعل المرجعية للأهواء ولا للأكثرية ولا للتوافقات السياسية، وإنما تجعل المرجعية لأحكام الله في حق العباد وتسلم لها لأنها من عند الخالق المدبر جل في علاه.
ومن هنا تبدو المفارقة لافتة، إذ لم يكن المشهد ابتعادا عن أحكام الإسلام فحسب، بل حتى المبادئ التي رُفعت شعاراتها لم تجد طريقها إلى التطبيق، فلم يتم الالتزام بالإسلام الذي هو بيضة القبان وعقيدة هذه الأمة التي ضحت من أجل أن تحكم به ليفرق به بين الحق والباطل ويبعدهم عن ضنك العيش.
إن اي سلطة مهما بلغت قوتها لا تستطيع أن تجعل من الواقع معيارا للحق ولا من الغلبة دليلا على المشروعية، فالمناصب تزول والمجالس تتبدل والدساتير تتغير أما سنن الله فلا تتبدل ولا تتحول.
وليس التاريخ ببعيد عن الشواهد، فقد تعاقبت أمم ودول وامتلكت من أسباب القوة ما ظنت معه أن سلطانها باق الى يوم القيامة، ثم لم تمض سنوات حتى أصبحت أخبارها صفحات في كتب التاريخ يقرأها الناس للعبرة فقط، فما كان الملك يوما ضمانا للبقاء وإنما كان ابتلاء يمتحن الله به عباده.
إن الأرض لله والملك لله يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء، يرفع أقواما ويخفض آخرين، لا محاباة في سننه ولا استثناء فيها لأحد، ومن جعله الله في سدة الحكم فقد أعطي امتحانا قبل أن يعطى سلطة ونفوذا، فإن أقام العدل وأدى الأمانة كان ذلك خيرا له وإن جعل السلطة وسيلة لتكريس النفوذ وإقصاء شرع الله وظلم العباد فإن الأيام كفيلة بأن تكشف له أن دوام الحال من المحال.
قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾.
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
أحمد زكريا
