السؤال:

شهدت دول أوروبية عدة السبت 31 تشرين الأول/أكتوبر موجة جديدة من المظاهرات والاحتجاجات... (وتصدرت فرنسا المشهد، فيما شهدت ألمانيا مظاهرات في عشرات المدن بمشاركة آلاف الشباب، وخرج آلاف البرتغاليين إلى شوارع لشبونة احتجاجا على مشروع قانون يتعلق بالإيجارات والسكن.. ورفع المنظمون شعارات تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة وأوضاع التعليم.. واستخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع.. وخراطيم المياه فيما سجلت أعمال تخريب وإحراق ممتلكات ونهب متاجر في بعض المناطق.. مونت كارلو، 1/11/2026م). لقد أثارت هذه الاحتجاجات الصاخبة الكثير من الأسئلة؛ فكيف لا تستطيع هذه الدول رعاية التعليم في بلادها؟ وكيف ضعف الاقتصاد الأوروبي لدرجة عدم قدرتها على الإنفاق على حاجاتها الداخلية؟ وهل لحرب أوكرانيا وحرب ترامب على إيران علاقة بإضعاف الاقتصاد الأوروبي ومن ثم بالاحتجاجات؟ وجزاك الله خيرا.

الجواب:

لكي يتضح الجواب على هذه التساؤلات نستعرض الأمور التالية:

أولاً: تحصل الاحتجاجات في الكثير من دول العالم، أي أنها بقدر ما ظاهرةٌ عادية تعبّر عن عدم رضا الناس عن أمر ما، وحصل مثلها في الدول الأوروبية كما حدث في احتجاجات الضواحي في فرنسا سنة 2005، وحصلت بعدها احتجاجات أخرى لكنها لم تتسم بالعنف وأعمال النهب كما حصل هذه المرة منذ أيلول/سبتمبر 2026 بل أصبحت الاحتجاجات تتكرر بشكل أسبوعي؛ فهي في السبت 31/10/2026 وكانت السبت الماضي 24/10 ثم السبت الذي قبله 17/10 (وتتوزع الاحتجاجات بين فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال واليونان وألبانيا، مع اختلاف أسباب اندلاعها، لكنها تلتقي عند شعور مشترك بالإحباط وفقدان الثقة في السياسات الحكومية. سكاي نيوز عربية، 26/10/2026). وكانت هذه الاحتجاجات تتوسع داخل فرنسا وامتدت لبلجيكا وإيطاليا ثم لحقت بها ألمانيا.. وتخللتها أعمال عنف ونهب ومواجهات مع الشرطة واعتقالات، وبقيت تمتد على شكل موجات حتى وصلت البلقان شرقاً حيث البلد المسلم ألبانيا وغرباً إلى إسبانيا والبرتغال، وكانت فرنسا مركزاً لهذه الاحتجاجات التي توسعت مطالبها لحل الضائقة المعيشية ووقف ارتفاع الأسعار وأجور السكن وغيرها من المطالب الاقتصادية والسياسية.. وسارع ترامب باتهام الإسلام بالمسؤولية عنها، وقال: (إن ما يحدث في فرنسا ليس سوى هجرة جماعية خارجة عن السيطرة، الأمر لا يتعلق بالمدارس، بل برغبة الإسلام في السيطرة على بلد كان عظيما ذات يوم)! ورد عليه الرئيس الفرنسي: (لقد خرج من يزعمون أننا تعرضنا لغزو من حشود المهاجرين والإسلاميين، وهذا غير صحيح على الإطلاق.. CNN عربية، 22/10/2026).

ثانياً: ولإدراك ما إذا كانت هذه الاحتجاجات عابرة كغيرها التي سبقتها في الأعوام السابقة أم أنها تكشف عن ضعف كبير تعاني منه الدول الأوروبية، فإن ما يجب أن ينظر إليه في أوضاع دول أوروبا المشاكل المتراكمة التي تلتف حول عنق هذه الدول مثل الحرب في أوكرانيا، وسياسات إدارة ترامب مع أوروبا، والتنافس مع الصين وقضايا الهجرة، وكيف تؤثر كل هذه القضايا في أوضاع هذه الدول عموماً وأوضاع دولها الكبرى خصوصاً.. وعلى الرغم من سقوط دولها الأوروبية (الكبرى) عن عرش الدول العظمى بنتيجة الحرب العالمية الثانية وبروز أمريكا والاتحاد السوفييتي إلا أن الدول الأوروبية بقيت تناضل على الساحة الدولية وكان صوتها مسموعاً طوال الحرب الباردة، وظلت كذلك بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ولم تسلّم بالتفرد الأمريكي وأخرجت عملتها الموحدة "اليورو" سنة 1999 بعد أن أسست لها بمعاهدة "ماستريخت" سنة 1992 حتى يكون منافساً للدولار.. صحيح أنه لم يستطع الوقوف في مواجهة الدولار إلا أنه لا يزال حتى اليوم العملة الدولية الثانية بعد الدولار، فوفق بيانات صندوق النقد الدولي لسنة 2025 فإن الدولار يشكل 57% من احتياطات البنوك المركزية الأجنبية من النقود الصعبة فيما اليورو يشكل 20%. ومع ذلك فإن أوروبا بمجموعها ظلت قوة اقتصادية ضخمة تنافس أمريكا وتنافس الصين، أي أن أوروبا ظلت تشكل أحد ثلاثة أركان كبرى للاقتصاد العالمي، ومكًنها هذا الوضع من أن تكون لها مكانة سياسية مؤثرة حول العالم ومكّنها من التنافس مع أمريكا في بعض المواقع الدولية، وإن ظلت منافساً صغيراً من الناحية السياسية، وأما من الناحية العسكرية فقد ظلت أوروبا كما كانت أثناء الحرب الباردة تحت مظلة أمريكا وحمايتها العسكرية، ولكن بريطانيا وفرنسا بقيتا تحتفظان بمكانتهما كقوى نووية متوسطة الحجم.

ثالثاً: فشلت أوروبا في التنافس مع أمريكا وكذلك مع الصين في قطاع التكنولوجيا، ذلك القطاع الذي أخذ يقود مقطورة الاقتصاد العالمي، ولم تبرز في أي من الدول الأوروبية أي شركة تكنولوجية من العيار الثقيل كما هو الحال في أمريكا والصين، وأصبحت كافة الدول الأوروبية سوقاً للصناعات الرقمية تتنافس عليه أمريكا والصين، فأخذ هذا يقضم من القدرات الاقتصادية للدول الأوروبية، ولكن الاقتصادات الأوروبية المتقدمة خاصة فرنسا وبريطانيا وألمانيا ظلت تحتفظ بالعمود الفقري لاقتصادها المتمثل في الصناعة مثل صناعة السيارات والطائرات، وظل اقتصاد هذه الدول يعتمد على تجارة المنتوجات الصناعية، لكن الحرب في أوكرانيا وما تزامن معها من تطورات دولية أخذت تقلب الموازين بشكلٍ خطير في أوروبا، وذلك على النحو التالي:

1- الغزو الروسي لأوكرانيا: غزت روسيا أوكرانيا في 24 شباط 2022 من محاور عدة وشارفت على العاصمة كييف، وهنا ارتجّت أوروبا وهاجت خوفاً من "البعبع" الروسي، فوضعت نفسها تحت قيادة إدارة بايدن لمساعدة أوكرانيا ومقاومة الغزو الروسي، وأظهرت إدارة بايدن قيادة قوية للدول الأوروبية التي انتابها الهلع وبان ضعفها العسكري، وكانت قيادة إدارة بايدن الأمريكية لأوروبا مظهراً من مظاهر ضعف أوروبا العسكري، ذلك العوار الأوروبي الذي لم يكن ظاهراً بهذا الوضوح من قبل، وأخذت التقارير ترصد مواطن الضعف العسكري الأوروبي بشكل خطير، فدول كبرى كبريطانيا لا تملك إلا بضع مئات قليلة من الدبابات، وأخذت تسحب قطعاً عسكرية من متاحفها لدعم أوكرانيا، أي أن بعض التجارة الأوروبية للمعدات العسكرية كانت تغطي فيما مضى على الضعف العسكري العميق للدول الأوروبية، وعندما وقفت الدول الأوروبية أمام التهديد العسكري الروسي استغلتها أمريكا تريد جرّها خلفها وطلبت منها اتباع أمريكا في السياسة المناهضة للصين، ففعلت الدول الأوروبية حتى لا تتركها أمريكا وحيدةً أمام التهديد الروسي!

2- انقطاع شرايين الطاقة الروسية عن أوروبا: كان من مقتضيات معاقبة روسيا على غزوها لأوكرانيا أن تقطع أوروبا شرايين الطاقة الروسية عنها، وفي مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض أمام المستشار الألماني شولتز تعهد بايدن بقطع الغاز الروسي عن ألمانيا ووقف خط أنابيب نورد ستريم 2 في 8 شباط 2022 إذا قطعت القوات الروسية خط الحدود مع أوكرانيا، أي قبيل الغزو الروسي لأوكرانيا، وهذا ما كان، بل تم تفجير خطوط أنابيب الغاز نورد ستريم في بحر البلطيق، ولم تجرؤ الدول الأوروبية على معارضة هذه السياسة الأمريكية، وهكذا صارت هذه الدول في مهب الريح الأمريكي وخف وزنها الدولي، وتبعاً لهذه السياسة فقدت دول أوروبا الغاز الروسي الرخيص الذي كان يقيم صلب صناعاتها، وبعد أن تأرجحت حكومات هذه الدول بين الاتصال بروسيا وثنيها عن أوكرانيا وبين البحث عن مصدر آخر للغاز، لم تجد لها بُداً من الاعتماد على الغاز الأمريكي المسال الذي أخذ يورد لها بأربعة أضعاف السعر! قال الرئيس الفرنسي ماكرون: ("أقول لأصدقائنا الأمريكيين بروح الصداقة أنتم رائعون تزودوننا بالغاز لكن لا يمكن أن ندفع 4 أضعاف سعره لكم"، وأكمل: "أرجوكم بحق الصداقة لا تفعلوا". موقع الحياة واشنطن، 7/10/2022) وهكذا واجهت أوروبا صدمة طاقة: (ومع قفزة أسعار الغاز إلى أعلى مستوياتها منذ 2022 وتراجع المخزونات، تمتد آثار الأزمة من الموازنات والاقتصادات إلى الشارع، حيث تتسع موجة الاحتجاجات على غلاء المعيشة في عدد من الدول الأوروبية. العربي الجديد، 17/10/2026).

رابعاً: وهكذا أصابت هذه الأزمة العمود الفقري للصناعة الأوروبية في أعماقه:

(أعلنت شركة الطاقة الألمانية العملاقة "يونيبر" (Uniper) أمس الجمعة أنها تُستنزف بملايين اليوروهات يوميا منذ تقليص روسيا إمداداتها من الغاز. الجزيرة نت، 9/7/2022).. (وبحسب تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، أصبحت فاتورة الطاقة أحد أبرز التحديات التي تواجه الشركات الألمانية، بعد سنوات من التقلبات التي أعقبت أزمة الطاقة الأوروبية وارتفاع أسعار الغاز والنفط، ...، ودفعت هذه الضغوط نحو ثلث الشركات إلى تأجيل خططها الاستثمارية، بينما يدرس خمُس الشركات خفض الإنتاج أو نقل جزء من عملياتها إلى خارج ألمانيا، في حين بدأت بعض الشركات بالفعل تنفيذ هذه الخطوات. العربية، 1/8/2026).. (قالت زعيمة حزب البديل المعارض في ألمانيا، أليس فايدل في مؤتمر صحفي في برلين، وفقاً لتقرير كلاش: "ألمانيا مفلسة بحكم الأمر الواقع. ألمانيا مفلسة، وهم لا يخبرونك بذلك". صحيفة إزفستيا الروسية، 7/9/2026).. (بلغ عدد حالات إفلاس الشركات في فرنسا مستوى قياسياً خلال عام 2025، وبحسب البنك المركزي الفرنسي، فقد بلغ إجمالي حالات الإفلاس 68 ألفاً و564 حالة خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في كانون الأول/ديسمبر، بزيادة 3.5% مقارنة بعام 2024. العربي الجديد، 6/2/2026).. (يُعاني الاقتصاد البريطاني مجموعة من الأزمات الهيكلية والمُتراكمة التي أنهكت جميع قطاعاته الإنتاجية والاستهلاكية، ما جعله أمام أسوأ أزماته. القاهرة الإخبارية، 19/10/2026).

خامساً: السياسات الجمركية لإدارة ترامب: دشن الرئيس الأمريكي ترامب رئاسته الثانية بحملة شرسة استهدفت معظم دول العالم برسوم جمركية كبيرة، ولم يستثن من تلك السياسة حلفاء بلاده الأوروبيين ففرض عليهم رسوماً كبيرة، وتبجح بعد ذلك بنتائج سياساته: (أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أن شركات صناعة السيارات تنقل منشآت الإنتاج إلى الولايات المتحدة من عدد من الدول، بما في ذلك ألمانيا واليابان، بسبب التعريفات الجمركية التي تفرضها إدارته. العربية، 14/10/2026).. وتبنت أمريكا قوانين لجذب الصناعة الأوروبية إليها وحرمان أوروبا من أرباح الشركات الأمريكية العاملة في أوروبا، خاصة شركات التكنولوجيا، فشركات أوروبا أخذت تهرب من أسعار الطاقة المرتفعة ورسوم ترامب على صادراتها لأمريكا وأخذت تبني خطوط إنتاج جديدة لها في أمريكا: (أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، السبت، أن مجموعة "فولكسفاجن" الألمانية وافقت على إنشاء مصنع جديد لسيارات "أودي" في ولاية جورجيا، باستثمارات قال إنها تبلغ 4.2 مليار دولار، مدافعاً عن سياسته القائمة على فرض الرسوم الجمركية، معتبراً أنها أسهمت في جذب الاستثمارات الصناعية إلى الولايات المتحدة. الشرق للأخبار، 25/10/2026).. ومن زاوية ثانية أخذت الشركات الأمريكية تنقل أرباحها المتحققة في أوروبا وتقوم بتسجيلها داخل أمريكا للاستفادة من الحوافز الضريبية الجديدة، مثل قانون خفض التضخم الذي تبناه الكونغرس 2022، وكأن هذه الشركات الأمريكية تأكل من خيرات أوروبا فتنقصها ولا تترك للحكومات الأوروبية دخلها المتمثل في العوائد الضريبية على نشاطات تلك الشركات داخل أوروبا، فتزداد يبوسة الأراضي الأوروبية، وقد قدر تقرير نشرته دوتشيه فيليه الألمانية، 25/10/2026 أن (الميزانيات العامة في أوروبا فقدت إيرادات ضريبية لا تقل عن 86,4 مليار يورو نتيجة هذه التحويلات).

سادساً: تنصُّل إدارة ترامب من حماية أوروبا: ومع قدوم إدارة ترامب أخذ الرئيس الأمريكي يتنصل من حلفائه الأوروبيين ويطالبهم بمزيد من الإنفاق العسكري، وقد أدركت أوروبا على وقع كل ذلك حجم ورطتها مع أمريكا في ظل الحرب في أوكرانيا، وذلك أن إدارة ترامب أخذت تغازل روسيا بما يهدد بترك الدول الأوروبية وحدها في الميدان الأوكراني، وأخذت تطالب الدول الأوروبية وبشكل صلف بدفع فاتورة الدعم لأوكرانيا، وفي وقت لا تستطيع الصناعات العسكرية الأوروبية الوفاء بحاجات الجبهة الأوكرانية فإنه لا مندوحة من الاعتماد على مجمع الصناعات العسكرية الأمريكية لإبقاء أوكرانيا صامدة أمام الهجمات الروسية، وتبجح الرئيس ترامب أمام شعبه وأمام روسيا بأن إدارته أوقفت مساعداتها العسكرية لأوكرانيا، وهي إنما تبيع السلاح والذخائر لأوروبا وتترك لها حرية نقلها لأوكرانيا! وقد فاقم ذلك من أزمات الدول الأوروبية.. ورأت كأن حليفها الأمريكي يتخلى عن أوكرانيا ويطلب من أوروبا أن توفر الأمن لنفسها في مواجهة التهديد الروسي! وكانت أوروبا قبل ذلك، وبعد غزو روسيا لأوكرانيا، تقتطع مئات المليارات من اليوروهات من رفاهيتها وترصدها لجيوشها وشراء السلاح الأمريكي وتنمية بنيتها الصناعية العسكرية، وبعد تشكيك ترامب بحمايتها فقد أصبحت الدول الأوروبية لا تدري ماذا تفعل بدعمها لأوكرانيا، بل بأمنها أمام التهديد الروسي.

سابعاً: الحرب الأمريكية على إيران: فضلاً عن خوضه الحرب ضد إيران بداية 2026 بالشراكة مع كيان يهود فإن الرئيس الأمريكي ترامب قد طالب الدول الأوروبية وبشكلٍ مذل للمشاركة في هذه الحرب، ورفضت هذه الدول المشاركة في حرب لم تستشر فيها، وزاد الرئيس الأمريكي في تهديده للدول الأوروبية بأنها إذا لم تشارك أمريكا، أي لا تنفعها وقت الشدة، فكيف لأمريكا أن تدافع عنها، ولماذا تتحالف أمريكا مع هذه الدول عديمة الفائدة! وعندما أغلقت إيران مضيق هرمز وانقطع النفط الخليجي، كانت معولاً ثقيلاً يضرب به ترامب أوروبا كما يضرب به الصين، وكان يصرح ويتبجح بأن أمريكا لا تستورد النفط الخليجي ولا تتأثر بانقطاعه:

(قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن مضيق هرمز يجب أن يظل مفتوحا في جميع الأوقات، مؤكدا أن الدول التي تعتمد على تمرير نفطها عبره هي المعنية بالمشاركة في الدفاع عنه والقتال من أجل ضمان أمنه، كما دعا حلف شمال الأطلسي (النيتو) والصين إلى المساهمة في جهود إعادة فتح المضيق وتأمين الملاحة فيه. وأضاف ترامب أن الولايات المتحدة لا تحصل على شيء من مضيق هرمز. الجزيرة نت، 19/3/2026) وفي تقدير أولي لمعهد Jacques Delors Institute الفرنسي في 28/4/2026 فقد أدى ارتفاع أسعار النفط بسبب إغلاق مضيق هرمز إلى خسائر فادحة لاقتصادات الدول الأوروبية بلغت 39.6 مليار يورو في أول شهرين من الإغلاق: (قالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون لاين، إن الاتحاد الأوروبي دفع 90 مليار يورو إضافية مقابل الوقود الأحفوري المستورد منذ بدء الأزمة في مضيق هرمز. عرب 48، 16/9/2026)، فضلاً عن الأزمات العاصفة التي تعاني منها مصافي النفط الأوروبية بعد انقطاع وقود الديزل الروسي نتيجة للحرب الأوكرانية وانقطاعه من الدول العربية والهند بعد الحرب على إيران.

ثامناً: وفي ظل تأثير هذه الضربات المتواصلة، ومن العيار الثقيل، فإن فرنسا ومعها الدول الأوروبية، ورغم ظهورها بمظهر الدول المانحة في بعض المناطق حول العالم، إلا أنها تغرق اقتصادياً، ومع غرق اقتصادها يقضم ذلك من مكانتها الدولية كل يوم، فيتبقى لها القليل من الموارد للإنفاق على الرفاهية داخل بلدانها أمام طوفان أسعار الطاقة وطوفان إفلاس الشركات وما ينجم عنه من بطالة، وأمام طوفان أكبر من الإنفاق العسكري الذي تدفع به أمريكا هذه الدول وتزجرها إن قصرت فيه. وفي ظل كل هذه الظروف فإن اندلاع الاحتجاجات والنزوح نحو اليمين وتحولها إلى أعمال عنف صار سيد الموقف أمام عجز هذه الحكومات عن رصد المبالغ الكبيرة لرفاهية شعوبها، تلك الرفاهية التي اعتادت عليها تلك الشعوب لعقودٍ كثيرة. وهكذا فمع فقدان الاقتصاد وبروز التيارات القومية اليمينية، أي الصراع السياسي في المجتمع، فإن الاحتجاجات وإثارتها واستغلالها، كل ذلك يجعل هذه الاحتجاجات عنيفة من ناحية، ومن ناحية أخرى يرجح كونها سلسلة متصلة وليست حدثاً عابراً كما كان يحصل في السنوات الماضية، فهذه الاحتجاجات في فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية تكشف عن ضعف حقيقي في أوروبا، وهذا الضعف لم تنجح جهود حكومات أوروبا في وقفه، بل هو يتفاقم بفعل الفشل الأيديولوجي والفشل السياسي والضربات الاقتصادية المتواصلة التي تسهر عليها أمريكا، فضلاً عن المنافسة الصينية. أي أن وجه أوروبا المعهود والمرسوم في الذهن منذ عقود قد أخذ يتغير بصورة متسارعة في الأعوام القليلة الماضية، ويقترب من وجه الشيخوخة الحقيقي، أي أن أوروبا تضعف يوماً بعد يوم وقد تتفاقم أزماتها في المدى المنظور.

 

تاسعاً: وهكذا فإن عالم اليوم تقوده دول كافرة فاسقة ظالمة تضع مصالحها الشريرة فوق أي اعتبار.. تتغير مواقفها حتى مع حلفائها بين ساعة وأخرى، وذلك ليس لخير تراه بل لشر تصنعه.. يعيدون الجاهلية الأولى بل هم إلى أسوأ من الجاهلية أقرب! وكما أُقصيت فارس والروم حينها وأشرقت الأرض بنور الإسلام، فهي كذلك عائدة بإذن الله.. أخرج مسلم في صحيحه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيَّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا..»، وستعود الخلافة الراشدة من جديد بعد هذا الحكم الجبري الذي فيه نعيش وتنشر الخير في ربوع العالم بإذن الله القوي العزيز ثم بسواعد شباب حزب التحرير حملة الدعوة الصادقين. أخرج أحمد في مسنده قال... فقال حُذَيْفَةُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «... ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ» ثُمَّ سَكَتَ ﷺ. ولا يضر في هذه الحقائق قولُ مرضى القلوب والعقول ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾، فقد سبق أن قالها أمثالهم عندما بشَّر رسول الله ﷺ بامتداد سلطان الإسلام إلى بلاد الفرس والروم.. جاء في مجمع الزوائد لأبي الحسن نور الدين الهيثمي - المتوفى: 807هـ - (...ثُمَّ مَشَوْا إِلَى الْخَنْدَقِ، فَقَالَ رسول الله ﷺ: «اذْهَبُوا بِنَا إِلَى سَلْمَانَ، وَإِذَا صَخْرَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ قَدْ ضَعُفَ عَنْهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: دَعُونِي فَأَكُونَ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَهَا، فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَضَرَبَهَا فَوَقَعَتْ فِلْقَةُ ثُلُثِهَا، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، قُصُورُ الرُّومِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ ضَرَبَ أُخْرَى فَوَقَعَتْ فِلْقَةٌ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ قُصُورُ فَارِسَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ»، فَقَالَ عِنْدَهَا الْمُنَافِقُونَ: نَحْنُ بِخَنْدَقٍ عَلَى أَنْفُسِنَا وَهُوَ يَعِدُنَا قُصُورَ فَارِسَ وَالرُّومِ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ غَيْرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَنُعَيْمٍ الْعَنْبَرِيِّ، وَهُمَا ثِقَتَانِ)، وهذا ما كان وتحقق رغم قول المنافقين، فإن قول الصادق المصدوق هو حقيقة ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، ولذلك ستعود الخلافة من جديد وينتشر الإسلام في ما زواه الله سبحانه لرسوله ﷺ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثاني والعشرين من جمادى الأولى 1448هـ

02/11/2026م

أمير حزب التحرير