إِنَّ الْعَمَلَ الْجَمَاعِيَّ الْمُنَظَّمَ هُوَ السَّبِيلُ إِلَى نُشُوءِ الدَّوْلَةِ الْمَبْدَئِيَّةِ الَّتِي تَحْمِلُ قَضِيَّتَهَا إِلَى الْعَالَمِ، وَتَقُومُ عَلَى أَسَاسِ عَقِيدَةٍ وَنِظَامٍ منبثق عنها.

وَلنشوء الدَّوْلَةِ طَرِيقَانِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا:

إِمَّا أَنْ تَنْشَأَ تَبَعًا لِأَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَنَزَوَاتِهِمْ، وَتَطَلُّعَاتِ عُقُولِهِمْ، وَغُرُورِهِمْ وَكِبْرِهِمْ؛ فَيَكُونَ مَآلُ أَمْرِهَا الْخُسْرَانَ الْمُبِينُ، وَيَذُوقَ النَّاسُ مِنْ جَرَّائِهَا أَلْوَانَ الْقَتْلِ وَسُوءَ الْعَذَابِ وَالْوَيْلَاتِ وَضَنْكَ الْعَيْشِ، كَمَا ذَاقَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.

وَحِينَئِذٍ يُطْلِقُ النَّاسُ الزَّفَرَاتِ وَالْآهَاتِ، وَتَنْفَطِرُ قُلُوبُهُمْ، وَتَذرف دُمُوعُهُمْ مِنْ هَوْلِ مَا يَرَوْنَ مِنْ الضنك والذلة والعذاب وانتشار الرذيلة والفساد.

قال تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.

وَإِمَّا أَنْ تَنْشَأَ هذه الدولة عَلَى أساس نِظَامِ الْإِسْلَامِ؛ المستمد من كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا جَرَى عَلَيْهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ المهديون وأجمعوا عليه؛ نِظَامًا تُسَاسُ بِهِ حَيَاةُ النَّاسِ وَفْقَ أَحْكَامِ اللَّهِ، وَتَنْتَظِمُ بِهِ شُؤُونُهُمْ، وَيُقَامُ بِهِ الْعَدْلُ، وَتُصَانُ بِهِ الْحُقُوقُ.

فَذَٰلِكَ شَرْعُ الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ، الَّذِي أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَهُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ؛ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ خَلْقِهِ، وَلَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ.

وَبِهَذَا الشَّرْعِ تَعْمُرُ الْأَرْضُ بِالْخَيْرِ وَالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَتَنْتَظِمُ شُؤُونُ الْحَيَاةِ فِي مَجَالَاتِهَا السِّيَاسِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالِاقْتِصَادِيَّةِ، فِي الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ، وَفْقَ مَا شَرَعَ اللَّهُ لِعِبَادِهِ.

﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.

وَلَقَدْ سَمَّى اللَّهُ أَهْلَ هَذَا الطَّرِيقِ حِزْبَ الله؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾.

وَحصر سبحانه الْوِلَايَةَ له ولرَسُولِهِ وَللذِينَ آمَنُوا، وَتَقُومُ شُؤُونُ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْبَيْعَةِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَعْرُوفِ، وَيَتَوَلَّى أَمْرَهُمْ أَمِيرُهُمْ وَإِمَامُهُمْ عَنْ رِضًا وَاخْتِيَارٍ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَهَمِّيَّةِ الْخَلِيفَةِ: (إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ، يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ، وَيُتَّقَى بِهِ).

وَهُنَاكَ طَرِيقٌ مُذَبْذَبٌ، لَا يَسْلُكُهُ إِلَّا المترددونَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، هَمُّ بعضهم إِشْبَاعُ جَوْعَاتِهِمْ، وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ بَيْعَ دِينِهِمْ بعَرَضِ من الدُّنْيَا قليل.

قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا﴾.

فَشَتَّانَ بَيْنَ مَنْ جَعَلَ هَوَاهُ إِمَامًا، وَمَنْ جَعَلَ الْوَحْيَ هَادِيًا؛ وَشَتَّانَ بَيْنَ مَنْ اتَّخَذَ الْمَبْدَأَ مَطِيَّةً لِمَطَامِعِهِ، وَبين مَنْ جَعَلَ حَيَاتَهُ نُصْرَةً لِلْحَقِّ وَإِقَامَةً لِلْعَدْلِ وعملاً لإقامة حكم الإسلام فِي ظل خِلَافَةٍ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصحيح: «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ».

فَأَخْوَفُ مَا يَخَافُهُ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَنْ يَسْتَيْقِظَ الْمُسْلِمُونَ لِأَمْرِهِمْ، وَأَنْ يَتَوَلَّوْا حِزْبَهُمْ، وَيَنْصُرُوا الْحَقَّ الَّذِي آمَنُوا بِهِ؛ فَإِذَا اجْتَمَعَتِ الْكَلِمَةُ عَلَى هذا الْحَقِّ، وَاسْتَقَامَتِ الْإِرَادَةُ عَلَى الْمَبْدَأ، لَمْ يَبْقَ لِلْبَاطِلِ سُلْطَانٌ، وَلَا لِأَهْلِهِ مَقَامٌ، وَتَخْنَسُ مِنْ بَعْدِهَا كُلُّ الشَّيَاطِينِ.

كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا

رضوان الخولي