
لم يجعل الإسلام العلاقة بين الحاكم والمحكوم علاقةَ سيدٍ بعبد، ولا علاقةَ حاكمٍ فوق المساءلة ومحكومٍ يطيع على عمى، وإنما جعلها علاقة أمانة ومسؤولية، يقوم فيها الحاكم على شؤون الناس، ويقوم الناس بتقويم الحكم وصونه من الزلل والهوى، والمرجع في ذلك كله هو الحق الذي لا يتغير بتغير الأشخاص. قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾، فالحكم أمانة، والعدل أساسه، والحاكم مسؤول عما استُرعي عليه، كما قال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».
وقد جعل الله إقامة القسط مقصد الرسالات وغايتها، فقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾. فالدولة في ميزان العقيدة نظامٌ يقيم القسط ويحفظ الحقوق، ويبني الإنسان على العدل والكرامة والمسؤولية.
والظلم ليس مجرد تجاوزٍ فردي، بل هو كل عدولٍ عن الحق الذي أنزله اللّه -وخصوصًا فيما يتصل بالحكم وسياسة العباد- مهما كان يسيرًا؛ فكيف بالجنوح الكبير أو العزوف الكامل عن الشريعة بجعلها خاضعة لأهواء البشر في مجالس تشرّع من دون الله فتقرّ ما وافق هواها وتسنّ ما خالفه مُنزِلةً نفسها مَنزلة الحَكم والفيصل على حُكم اللّه وشرعه، وما ينشأ عن ذلك من إضاعة الحقوق وإفسادٍ في حياة الناس.
عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ وفي عُنقي صليبٌ من ذهب، فقال: «يا عديُّ، اطرحْ عنك هذا الوثن». فطرحته، فانتهيتُ إليه وهو يقرأ سورة براءة، فقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ حتى فرغ منها، فقلتُ: يا رسول الله، إنّا لسنا نعبدهم. فقال: «أليس يُحَرِّمون ما أحلَّ اللهُ فتحرِّمونه، ويُحِلُّون ما حرَّم اللهُ فتستحلُّونه؟» قلتُ: بلى. قال: «فتلك عبادتُهم».
وقال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾.
وفي المقابل، ليس المحكوم مجرد تابع ينتظر الأوامر، بل هو شريك في حفظ المجتمع وتقويم الحكم؛ ينصح ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا يجعل الولاء للأشخاص مقدماً على الولاء للحق. وقد قال النبي ﷺ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ». قلنا: لِمَن؟ قال: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»، ومن النصيحة للحاكم أن يُقال له الحق، لا أن يُزيَّن له الباطل.
قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.
ومن أخطر ما يفسد علاقة الحاكم بالمحكوم أن يتحول الولاء إلى تبرير؛ فيصبح الظلم ضرورة، والفساد مصلحة، والخطأ اجتهاداً لا يُنقد، وكل ذلك بحجة الخوف من الفتنة أو الخوف من البديل. والتبرير لا يصلح الخطأ، بل يمنعه من الإصلاح، وما يُبرَّر اليوم قد يصبح غداً نظاماً ثابتاً، ثم يعتاد الناس عليه حتى يظنوا أن تغييره مستحيل، ومن أخطر ما يفعله التبرير أنه لا يكتفي بحماية الخطأ، بل يفسد ميزان الإنسان حتى يفقد قدرته على إنكار المنكر؛ فيصبح ما كان بالأمس منكراً أمراً معتاداً، ثم يُبحث له عن مبررات، حتى يستقر في النفوس وكأنه معروف. وقد حذّر النبي ﷺ من هذا الانقلاب فقال: «لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً، إلا ما أُشرب من هواه». فحين يضعف سلطان الوحي في النفوس، يصبح الهوى هو المعيار، ويصبح التبرير وسيلةً لإعادة تعريف الحق والباطل.
إن الحاكم والمحكوم كلاهما عبد لله، لا يعلو أحدهما على حكمه، وكلاهما مسؤول أمامه؛ فالحاكم مسؤول عن الإسلام وسياسة الناس به، فضلاً عن الذَّود عن حياض الأمة في وجه أعدائها ككيان يهود، وحفظ أمنها من كل طامع مستعمر لم يأت إلا بالخراب كالأمم المتكالبة علينا بقيادة أمريكا رأس الإجرام، وصيانة حقوقها، ورعاية شؤونها، وإقامة العدل بين أفرادها. والمحكوم مسؤول عن صون الإسلام وحفظ الأمة من الهلاك والتضحيات من الضياع، وأمانة الذود عن ذلك كله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال تعالى: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}.
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
محمّد رامز سلام.