42



إن العلم الحالي مع كل تطوره وتقدمه ليقف عاجزا عند عتبة الأرحام، بينما العلم الإلهي يحيط بها إحاطة تامة قبل التخليق وأثناءه وبعده. ولك أن تتخيل كم تشمل كلمة أنثى من المخلوقات، فهناك البشر وهناك الطيور والحشرات والوحوش وهناك في البحر عالم آخر فيه من المخلوقات ما لا يعد ولا يحصى فتخيل عظمة الخالق عز وجل.
وما تحمله كل أنثى لا يعلم الله نوعه فقط (ذكر أو أنثى) بل يعلم طبيعته وملامحه وطوله ووزنه ورزقه وأجله وكل نبضة في قلبه ولا يخفى عليه شيء من ذلك علم بالنوع والصفة والمآل.
(وما تغيض الأرحام وما تزداد):
الغيض والزيادة يشملان كل نقص ووفرة، نقص مدة الحمل أو زيادته، تمامه أو زيادته ونقص خلايا الجنين أو زيادتها، كل حركة مجهرية داخل ذلك القرار المكين مكشوفة تماما أمام عين الله.
(وكل شيء عنده بمقدار):
لا مكان للصدفة أو الخطأ أو العشوائية في هذا الكون فكل ذرة وكل مجرة وكل قطرة مطر وكل نبضة قلب مقدرة بمقدارها الدقيق الذي يصلح به الوجود ويتناسق.
هذا التقدير يربط بين عالم الأجنة الغامض وعالم الكون الفسيح، فمن يدبر الرحم الصغير هو الذي يدبر الكون الكبير بذات الدقة والإحكام..
إن مثل هذه الآيات هي أكبر قاعدة تزرع في قلوبنا الطمأنينة المطلقة والراحة العميقة حين نعلم أنّ كلّ شيء مقدر بمقدار، فلا يأس ولا قلق ولا اضطراب للإنسان حين يدرك أن رزقه وحياته وصحته محكومة بهذا القانون الدقيق المنضبط، فيستسلم المرء لرعاية ربه براحة وثقة عميقة دون خوف من المستقبل والمجهول.
وأعظم الاستسلام أن تستسلم لأمر الله حين يأمرك وتنتهي حين ينهاك، مهما ترتب على ذلك من نتائج. فشريعة الله العظيم المدبر لهذا الكون هي التي يجب أن تسود في نواحي الحياة، ويجب أن نسعى لها ونقيمها، ويجب أن تكون شغلنا الشاغل، وخاصة بعد أن أكرمنا الله بالخلاص من الظلمة والمجرمين، فهو الذي أمرنا بذلك، فبغير شرع الله نذِلُ ونعيش معيشة ضنكا في الدنيا، وفي الآخرة عذاب والعياذ بالله لمن حاد عن طريق الله.
قال الله مخاطبا نبيه: (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والانجيل وما أنزل إليكم من ربكم).
وكذلك نحن إن لم نسع لإقامة شرع الله وتطبيقه فلسنا على شيء، وسيسألنا الله عن تقصيرنا ويعاقبنا إن قصرنا.
الأمر جد لا هزل فيه، فنسأل الله أن يستعملنا لنصرة دينه وإقامة دولته وأن يغفر لنا تقصيرنا وأن يعيننا على السعي الحثيث لذلك.

كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
نور الدين الخرمندي