
(1)
القائد السياسي الناجح هو من يحسن وضع الرجل المتميز في المكان المناسب له، وهو من يحسن استغلال طاقات أتباعه فيستفيد منها، ويختار لهم مهمات تتناسب مع قدراتهم وإمكانياتهم.
وقد كان عليه الصلاة والسلام خبيراً بالرجال خبرة عجيبة، فكان يختار لكل مهمة رجلاً فيه صفات وقدرات تناسب هذه المهمة التي كلفه بها.
ولنستعرض بعض الأمثلة على ذلك:
*ـ ففي أول طلب النصرة والخروج الى الطائف، وجدنا النبي عليه الصلاة والسلام يصطحب زيد بن حارثة معه دون سواه، والسبب هو أن زيد بن حارثة في تلك الفترة كان يسمى زيد بن محمد، فقد تبناه النبي عليه الصلاة والسلام قبل تحريم التبني، فمن يراهما معا لن يفكر في سبب سيرهما معاً، لأنهما أصلا دوماً كانا معاً من قبل مثل أي أب وابنه، وإضافة لذلك خرجا سيراً على الاقدام كيلا يلفتا الأنظار إليهما.
*ـ وعندما بدأ النبي عليه الصلاة والسلام بعرض نفسه على القبائل نجده كان يصطحب أبا بكر معه، لأنه كان رجلاً عالماً بالأنساب وبالقبائل، فيستفيد من خبرته في معرفة القبيلة قبل أن يعرض نفسه عليها.
*ـ وفي هجرته نجده يضع مكانه في فراشه علي بن ابي طالب، فهو شاب شجاع جريء وابن الزعيم السابق لمكة، فلن يقوم أحد بالاعتداء على ابن زعيم قريش السابق، وإلا لقام الجميع بتوجيه اللوم له.
*ـ وفي غزوة ذات السلاسل نجده يختار عمرو بن العاص أميراً على جيش فيه أمين الأمة (أبو عبيدة بن الجراح) وفيه صِدّيق الأمة (أبو بكر) وفيه فاروق الامة (عمر).
والسبب هو كما قال أبو بكر لعمر: لولا أن النبي عليه الصلاة والسلام يعلم أنه اعلم بالحرب منك يا عمر لما جعله أميراً على جيش تكون أنت فيه.
*ـ ومثلا عمرو بن أمية الضَّمْرِي أرسله إلى النجاشي، والسبب انه كان ذكياً ومن ذكائه أنه لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي، فوجد لهم باباً صغيراً يدخلون منه مطأطئي رؤوسهم، فدخل منه القهقرى، فشق عليهم، وهموا به.
فقال له النجاشي: ما منعك؟
قال: إنا لا نصنع هذا بنبينا.
كما كان شجاعاً، والذهاب الى الحبشة يحتاج لرجل شجاع ذي جرأة شديدة، فهو سيمر عبر أراضي قريش ومن ثم يغامر ويركب البحر. ولشدة شجاعته وجرأته فإن النبي عليه الصلاة والسلام قد أرسله إلى قريش ليجلب له جثة خبيب الذي صلبته قريش.
*ـ ومثلا حاطب بن أبي بلتعة أرسله إلى المقوقس لأنه كان صاحب بديهة في الجواب:
قال المقوقس لحاطب: أخبرني عن صاحبك أليس هو نبيا؟ قال حاطب: بلى هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما باله لم يدعُ على قومه حيث أخرجوه من مكة؟
قال حاطب: فقلت له: أفتشهد أن عيسى ابن مريم رسول الله حيث أراد قومه قتله؟ ثم لم يدع عليهم حتى رفعه الله تعالى إليه؟
فقال له المقوقس: أحسنت، إنك حكيم جئت من عند حكيم.
*ـ ومثلا عبد الله بن حذافة السهمي ارسله إلى كسرى،
وإنما خص النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن حذافة بإرساله إلى كسرى لأنه كان يتردد عليهم كثيراً ويختلف إلى بلادهم ..
كما أنه كان ثابتاً في إيمانه لا يتزعزع، وكسرى كان ظلوماً غشوماً، حتى أنه مزق رسالة النبي عليه الصلاة والسلام إليه، فربما يساوم هذا الرسول على الكفر أو الفتك به.
ومن ثباته على الدين مثلاً: وجَّه عمر جيشا إلى الروم وفيهم عبد الله بن حذافة فأسروه، فقال له ملك الروم تنصَّر أشركك في ملكي، فأبى، فأمر به فصلب، وأمر برميه بالسهام فلم يجزع، فأنزل، وأمر بقدر فصب فيها الماء وأغلى عليه وأمر بإلقاء أسير فيها، فإذا عظامه تلوح فأمر بإلقائه إن لم يتنصر، فلما ذهبوا به بكى، قال ردوه فقال لم بكيت؟ قال تمنيت أن لي مائة نفس تلقى هكذا في الله.
*ـ ومثلا أرسل دحية الكلبي إلى ملك الروم:
لسببين والله أعلم هما:
1ـ أنه كان من بني كلب، وبنو كلب على حدود الشام هناك، حتى قال عليه الصلاة والسلام ذلك: "وَلْيَذْهَبْ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ، فَإِنَّهُ مِنْ تُخُومِ الشَّامَ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ".
2ـ أنه كان أشقر مثل الروم، فقد كان وسيماً جميلاً، ومن شدة جماله كان جبريل يتمثل به كما ثبت في عدة أحاديث.
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
محمود الشامي