
القرارات الاقتصادية الأخيرة التي رفعت أسعار الوقود وبخست في المقابل سعر شراء القمح المحلي، لا تضر بالمزارع وحده، بل تدفع البلاد نحو كارثة معيشية محققة يدفع ثمنها الجميع وستؤدي إلى عجز المزارعين عن تغطية تكاليف الإنتاج مما سيجبرهم على ترك أرضهم دون زراعة أو العدول الى زراعة محاصيل أخرى غير القمح الذي يعدّ محصولا استراتيجيا.
وهنا يبدأ فخ الاستيراد بغياب الإنتاج المحلي فيتم استيراد القمح مما يؤدي إلى ارتفاع مضاعف لمشتقاته، ما يؤدي إلى قفزة جنونية ومضاعفة في أسعار الخبز، الطحين، وكل المشتقات الغذائية.
ومن المعلوم أن من أخطر السياسات المتبعة للسيطرة على الشعوب هو رهن لقمة العيش بالاستيراد ويتبعه سلب استقلال قرار الدولة السياسي، وجعل قرارها الخارجي رهيناً للدول المصدرة للقمح.
وهذه السياسة المتبعة تدعم فكرة إشغال الشعوب بتحويل اهتمامهم نحو غريزة البقاء (تأمين الرغيف والوقود) وإشغالها بلقمة العيش ما يعيق الوعي السياسي والمحاسبة والمطالبة بالحقوق، لتصبح أقصى الأمنيات البقاء على قيد الحياة وتأمين الحد الأدنى من الحاجات الأساسية.
إن المشكلة التى نعاني منها اليوم تؤكد أننا بأمس الحاجة لتطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي، تحت شعار: "رعاية الشؤون " وفق أحكام شرع الله والنظام الذي ارتضاه لعباده، ففيه المعالجات التفصيلية والحلول الناجعة لكل مشكلة.
قال ﷺ: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ).
إن من وظيفة الدولة رعاية شؤون الرعية وتأمين الحاجات الأساسية، والعمل على تسهيل الإنتاج وتطوير الموارد لتحقيق أكبر قدر من الرفاهية، وليست وظيفة الدولة التربح من وراء الشعب. وظيفتها تحقيق العدل الذي يحرّم ظلم المنتجين في حقوقهم كما يُحرم ظلم المستهلكين.
والإسلام يعتبر مصادر الطاقة والثروات الطبيعية ملكية عامة لجميع رعايا الدولة، ولا يجوز للدولة أو الشركات الخاصة سواء كانت داخلية أو خارجية تملكها أو احتكارها للتربّح منها، لقوله ﷺ: (الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَاءِ وَالْكَلَأ وَالنَّارِ).
وموارد هذه الملكية العامة من نفط وغاز وكهرباء وأنهار ومعابر ومعادن توضع في بيت المال وتنفق على مصالح الرعية وتقدّم للمستهلكين من الرعية بأسعار التكلفة، فعلاج مشكلة القمح مثلا يكمن في توفير الوقود للمزارعين بأسعار التكلفة الحقيقية دون هوامش ربحية، مما يخفض تكاليف الإنتاج فوراً، لأن القرآن الكريم يضع قاعدة اقتصادية صارمة تحمي جهد العامل والمنتج في قوله تعالى: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ).
فلا بد من إلغاء التسعير الإجباري المجحف بحق الفلاح واعتماد سياسة تقوم على تغطية التكاليف وتوفير هامش ربح كريم للمزارع يشجعه على البقاء في أرضه، وتقديم تسهيلات واسعة للمزارعين، وتوفير البذار والأسمدة لتحفيز التوسع الأفقي في زراعة القمح وتحقيق الاكتفاء الذاتي المطلق وإعادة الأرض لتنبض بالخير والبركة، حتى لا يسير الاقتصاد إلى ما لا يحمد عقباه.
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
عبد الرزاق المصري